عماد الدين خليل

119

المستشرقون والسيرة النبوية

الخاتمة المحصّلة النهائيّة التي يمكن أن نصل إليها من خلال التعامل مع دراسات المستشرقين ، أيّا كان موقعهم ، أنه لا يمكن لهذه الدراسات - على الإطلاق - ( وبالتأكيد العقلي ، غير الانفعالي ، على هذه العبارة الأخيرة ) أن ترقى إلى مستوى السيرة فتكون قديرة على التعامل معها والتوغل في نسيجها ، وإدراك بنيتها بعمق ، ورسم الصورة الموضوعية العادلة لها . ذلك أن هناك أكثر من خلل في ( منهج العمل ) ، ولن يتمخّض هذا الخلل إلّا عن حشود من نقاط سوء الفهم والأخطاء على مستوى الموضوع . . الأخطاء التي تنتشر كالبثور على جسد السيرة المترع صحة وتماسكا وعافية ، فتشوهه وتنثر على صفحاته البقع والشروخ . نعم . . ثمّة فرق بين مستشرق وآخر . . ونحن إذا قارنّا ( وات ) ب ( لامانس ) مثلا ، أو حتى بفلهاوزن ، وجدنا هوّة واسعة تفصل بين الرجلين . . يقترب أوّلهما ويقترب حتى ليبدو أشدّ إخلاصا لمقولات السيرة من أبناء المسلمين أنفسهم . . ويبعد ثانيهما ويبعد حتى ليبدو شتّاما لعّانا وليس باحثا جادا يستحقّ الاحترام . . ومع ذلك فهو فرق في الدرجة وليس في النوع . . فها نحن نقف بعض الوقت عند كتاب ( محمد في مكة ) لأكثر المستشرقين حياديّة كما أكّد هو نفسه في مقدمته وكما قيل عنه ، ولنتذكّر عبارات المستشرق البريطاني ( جب ) ، ونشير كذلك إلى عبارات المستشرق الفرنسي ( مكسيم رودنسن ) : « من النادر أن ترى عالما لا يهتم فقط بجمع مواد بحثه ، بل يطرح الأسئلة